ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي

222

الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية

فصل إذا أدّى العبد حقوق ما يجب عليه أقبل اللّه تعالى بكل خير لديه ، وإذا شرف المدام وصف الأقدام في الليل والظلام بين يدي الملك الديّان ذي الجلال والإكرام رقد في حلل الوقار بالذكر والذكار والتذكار ، وكشف له عن المغيبات ، وهو في هذه الدار ، ولاحت عليه لوائح الولاية ، خلع عليه خلع العناية ، وقلد بسيف الكفاية ورزق من سيده ومولاه الهداية ، ثم ينتقل من هذا المقام إلى مقام الذكر الجلي إلى الخفي إلى السكون الوفي سكون القلب تحت القدرة ، فلا تسمع عند ذلك للقلب إلا همسا لا حركة ولا مشيا ، لأن الأعمال إذا كانت مدقة بالشريعة نتجت نتائج عن أصل ثابت ، فيكون أول سلوك هذه المسالك الصلاة والصيام والقيام والاهتمام والذكر والفكر والشكر والحر والصبر والعذر والاعتذار ، والخروج عن هذه الدار وإخلاص النية وإيثار الأخيار على النفس والمال والأهل والولد ، فإذا داومت الخدمة والذكر والخلوة ، ولزمت مقام الخلوة والمحبة العمل والكد والجهد ، فينتقل إلى مقام اللطائف إلى باطن البواطن والأسرار ، ثم ينتقل من القلب إلى السر حتى إذا امتلأت أرجاؤه وجملة أعضاؤه فيعود كما قال بعضهم : الذرة من عمل القلوب خير من الدنيا وما فيها ثم ينتقل من الطالعات ، ثم إلى السكون ، فإذا صدقت أعضاء المحبة فيعود الرجل لمس الحجر لنبع ماؤه أو مريضا لذهب داؤه ودواؤه ، كما حكي عن إبراهيم بن أدهم : أنه رأى راعيا ضرب له الحجر نبع الماء منه فشرب ماء أبيض أبرد من الثلج وأحلى من الشهد وكذلك الشبلي أنه لمس جماعة مرضى وزمنى وغيرهم فبرؤوا فقال له رجل : أشتهي أن أصحبك ، فقال له : أتستحي من مولاك أن يراك مشتغلا بغيره فتسقط من عينه . وإذا كان المريد جعل طعامه الذكر وقوله الفكر وخلوته الأنس ، وهو مشغول ليوم معاد ، فتعود النفس رياضتها العلم ونديمها الحلم ووزيرها التقى ومرآتها المراقبة ، وسراجها الحكمة ، وبستانها الخلوة وسحرها الخوف ، وآدابها الفراسة ، وهي مشتغلة بتطوية رجلها ناظرة إلى سبيلها ، فطوبى لها إذا نوديت يوم المنّة يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ( 27 ) [ الفجر : 27 ] هذه الإشارة والعبارة كلها لمن يصغي وأن يسرع في عمله أو يبادر لوقت أجله ، ويرفع خلة ، فهل عسى أن يغفر اللّه له فيندرج في طريق القوم المحسنين كما قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [ البقرة : 222 ] ، وقد ذكر في الأخبار : أن المصلح يغفر له الزلات لقوله تعالى : فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [ الفرقان : 70 ] ولا بد لكل علم من معلم ، ونحن ننتظر من فيض ما أفاء اللّه